تقويم الخـٰـلـق

حساب المواقيت الفلكية والأشهر القمرية وفق منهجية تقويم الخـٰـلـق

﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ﴾ [الرحمن: 5]

وحدات قياس الزمن

ٱلنهار وٱلّيل:

ٱلنهار هو الفترة الزمنية التي تبدأ مع بزوغ ٱلفجر الصادق، أي عندما يبدأ الضوء بالانتشار في الأفق معلنًا بداية مرحلة جديدة من النشاط علىٰ سطح ٱلأرض، وينتهي ٱلنهار بعد ابتداء ٱلّيل، وتحديدًا عند اختفاء الشفق الأحمر بعد غروب ٱلشمس، أما ٱلّيل يبدأ عند غروب ٱلشمس، ويمتد حتىٰ شروق ٱلشمس في ٱليوم التالي. لـٰكن الفترة بين ٱلغروب واختفاء الشفق الأحمر تمثل منطقة انتقالية بين ٱلّيل وٱلنهار، وهو ما يُظهر دقة التعبير ٱلقرءاني:

ﵟيُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِﵞ [ٱلحج: 61، لقمـٰن: 29، فاطر: 13، ٱلحديد: 6].

فالنهار لا ينفصل بشكل قاطع عن ٱلّيل، بل بينهما فترات انتقالية مشتركة. فالفترة بين ٱلفجر وطلوع ٱلشمس هي زمن يُعتبر في آنٍ وٰحد ليلًا ونهارًا، وكذٰلك الفترة بين مغيب ٱلشمس واختفاء الشفق الأحمر تعد زمنًا يجمع بين ٱلنهار وٱلّيل معًا. وهـٰذا يوضح معنى "إيلاج ٱلّيل في ٱلنهار" و"إيلاج ٱلنهار في ٱلّيل"، أي دخول أحدهما في ٱلـاخر علىٰ نحو متدرج لا فجائي.

ويؤكد ٱلقرءان ٱلكريم هـٰذه الحقيقة في مواضع أخرىٰ، منها قوله تعـٰلىٰ:

ﵟوَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَﵞ [يس: 37] 

فالنهار وٱلّيل كيانان مستقلان في نظام الكون، وليسا مجرد انعكاس مباشر للشمس أو ٱلقمر. فالنهار ليس هو ٱلشمس ذاتها، بل هو ظـٰهرة زمنية – فلكية ترتبط بوجود الضوء، وٱلّيل كذٰلك ليس هو ٱلقمر وإنما هو مادة مظلمة تحجب ضوء ٱلشمس.

وقد فرّق ٱلله تعـٰلىٰ بين هـٰذه الظواهر الكونية، فقال:

ﵟوَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَﵞ [الأنبياء: 33] 

إذًا فٱلّيل وٱلنهار ليسا مجرد ظاهرتين تابعتين للشمس أو للقمر، بل هما وجودان مستقلان يسيران مع هـٰذه الأجرام دون أن يختزلا فيها. أي أن ٱلنهار مضيء حتىٰ لو اختفت ٱلشمس، وٱلّيل مظلم حتىٰ لو ظهرت فيه ٱلشمس.

كما ورد التفصيل في سورة ٱلشمس، حيث أقسم ٱلله تعـٰلىٰ بها وبالنهار وٱلّيل علىٰ اعتبار كل منها ظـٰهرة مستقلة:

ﵟوَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا 1 وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا 2 وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا 3 وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَاﵞ [الشمس: 1-4] 

وهـٰذا القسم ٱلقرءاني يبرز مكانة ٱلّيل وٱلنهار باعتبارهما وحدات زمنية قائمة بذاتها، ضمن النظام الفلكي الشامل.

ٱليوم:

ٱليوم هو وحدة زمنية طبيعية تبدأ عند بزوغ ٱلفجر، أي مع بداية ٱلنهار، وتنتهي مع ابتداء ٱلّيل عند غروب ٱلشمس.

وبذٰلك فإن ٱليوم لا يبدأ عند منتصف ٱلّيل كم اعتاد عليه ٱلناس في التقاويم الحديثة، بل هو فترة كونية محددة ببداية ونهاية ترتبطان بدقة بالضوء والظلام.

ولـٰكن في شمال قارة عُروبا "أوروبا" وتحديداً المناطق التي تقع شمال خط العرض 48 حيث لا تحدث لحظة ٱلفجر هناك فقرروا أن يبدأ ٱليوم من منتصف ٱلّيل، ومن ثم تم فرض هـٰذا النظام علىٰ جميع أنحاء ٱلأرض رغم أن عدد ٱلناس الذي يعيشون في مناطق شمال خط العرض 48 لا يتجاوز 10% من عدد سكان العالم.

إذًا، ٱليوم يبدأ بالفجر ولـٰكنه لا يمتد إلىٰ ٱلفجر التالي، بل ينتهي بغروب ٱلشمس. أي أن ٱليوم يمثل الفترة التي تبدأ بضياء ٱلفجر وتنتهي مع حلول ٱلّيل، فيكون ٱلّيل ملحقًا بٱليوم من حيث التنظيم.

وقد أشار ٱلقرءان ٱلكريم إلىٰ هـٰذه العلاقة بين ٱليوم وٱلّيل وٱلنهار في قوله تعـٰلىٰ:

ﵟ لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَﵞ [يس: 40] 

ورغم هـٰذه النصوص ٱلقرءانية يصر أغلب ٱلناس علىٰ اعتبار ٱلّيل سابق للنهار متفقين تماماً مع ٱليهود في ذٰلك.

فٱلّيل لا يسبق ٱلنهار، بل هو تابع له في نظام متعاقب، وهـٰذا يوضح أن الأساس في ٱلحساب هو ٱلنهار وما يتبعه، وأن ٱلّيل لا يُفهم إلا في سياقه.

كما جاء وصف دقيق لليالي والأيام في ٱلقرءان، مثل قوله تعـٰلىٰ في شأن قوم عاد:

{سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [ٱلحاقة: 7].

هنا جاء التعبير عن الليالي والأيام كوحدات متكاملة متعاقبة، في توازن يبين أن ٱليوم أساسه ٱلنهار، وٱلّيل مكمّل له.

ٱلشهر:

ٱلشهر في أصله اللغوي والكوني مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالقمر. فهو ليس مجرد تقسيم اصطلاحي، بل وحدة زمنية طبيعية تنشأ من الدورة القمرية.

يولد ٱلقمر الجديد عندما يحدث الاقتران مع ٱلشمس، أي عندما يكون ٱلقمر في أقرب نقطة من ٱلشمس فيختفي تمامًا عن الأنظار، ثم يبدأ بالظهور كهلال رفيع، ويستمر في أطواره (تربيع أول، بدر، تربيع أخير) حتىٰ يختفي مرة أخرىٰ في نهاية الدورة.
وهكذا فإن ٱلشهر يبدأ بالاقتران وينتهي باقتران جديد، ويمتد في المتوسط 29 يومًا و12 ساعة و44 دقيقة.

ومن هنا يتضح أن عبارة "ٱلشهر القمري" من الناحية العلمية ليست إلا توكيدًا لمعنى أصيل، إذ لا وجود لشهر إلا إذا كان قمريًا. أما ما يُطلق عليه في بعض الكتابات "ٱلشهر الشمسي" فليس وحدة طبيعية، بل هو تقسيم اصطلاحي مرتبط بالسنة الشمسية، وليس له جذور في معنى كلمة "شهر". ولذٰلك فقولنا "شهر قمري" هو من باب الوصف التوضيحي، أما الأصل أن كلمة "شهر" وحدها تعني ٱلقمر ودوراته.

السنة:

أما السنة فهي وحدة زمنية ترتبط بٱلشمس، وليست بالقمر. وهي الفترة الزمنية التي تستغرقها ٱلشمس لتعود إلىٰ نفس الموضع الظاهري الذي انطلقت منه، كأن تبدأ من تعامدها علىٰ مدار السرطان وتعود إليه مرة أخرىٰ بعد إتمام دورة كاملة. هـٰذه المدة تبلغ تقريبًا 365 يومًا وربع ٱليوم، وهو ما أدى إلىٰ ظهور السنة الكبيسة لمعالجة الكسر الزمني.

وكما أن "ٱلشهر" لا يُفهم إلا باعتباره قمريًا، فإن "السنة" لا تُفهم إلا باعتبارها شمسية. وبالتالي فالتعبير بـ "السنة الشمسية" تحصيل حاصل، ولا معنى لما يُسمى "السنة القمرية"، لأن ٱلقمر ليس له دورة زمنية تساوي سنة كاملة، بل له دورات شهرية فقط. ومن هنا ندرك أن السنة وحدة طبيعية مرتبطة بٱلشمس وحدها.

استقلالية الوحدات الزمنية

ٱليوم وٱلشهر والسنة هي وحدات زمنية فلكية طبيعية مستقلة عن بعضها البعض. فكل وٰحدة منها ترتبط بجِرم سماوي مختلف:

هـٰذه الوحدات الثلاث لا علاقة رياضية مباشرة بينها، فلا يمكن تحويل إحداها إلىٰ ٱلأخرىٰ بشكل متكامل إلا عن طريق عمليات الكبس "الملاءمة الزمنية".

علىٰ العكس من ذٰلك، نجد أن الوحدات الزمنية التي ابتكرها ٱلإنسـٰن مثل "ٱلساعة والدقيقة والثانية" هي وحدات مترابطة ومبنية علىٰ تقسيمات عددية متسلسلة (60 دقيقة = ساعة، 60 ثانية = دقيقة). وقد صُممت هـٰذه الوحدات البشرية لتكون سهلة الاستخدام ومنظمة بشكل عملي.

أما الوحدات الطبيعية التي خلقها ٱلله (ٱليوم – ٱلشهر – السنة) فهي قائمة بذاتها، منفصلة، ولا يمكن أن تُختزل في بعضها البعض إلا بوسائل تقريبية.

مثال توضيحي: قياس ٱلطول

لتوضيح فكرة استقلال الوحدات الزمنية، يمكن مقارنتها بوحدات قياس ٱلطول. فالميل والكيلومتر كلاهما وحدات للطول، لكنهما مستقلان من حيث الأساس. ٱلميل ٱلوٰحد يساوي تقريبًا 1.6093 كيلومتر، ومع ذٰلك لا يمكن استخدام ٱلميل والمتر في عملية قياس وٰحدة دون اعتماد تحويلات دقيقة.

بنفس الطريقة، لا يمكن استخدام ٱليوم وٱلشهر والسنة معًا في قياس وٰحد إلا بعد إدخال عمليات التقريب والكبس التي تجمع الكسور الزمنية المتبقية.

الكبس:

الكبس هو عملية حسابية – فلكية تهدف إلىٰ معالجة الكسور الزمنية التي تنتج عن عدم تطابق الوحدات الزمنية الطبيعية (ٱليوم، ٱلشهر، السنة). فبسبب الفروق الطفيفة بين طول الدورة الفلكية وما يقابله من أيام كاملة، كان لا بد من وجود وسيلة تحفظ هـٰذه الكسور الزمنية وتحوّلها إلىٰ قيم صحيحة، بحيث يبقى التقويم متوافقًا مع حركة الأجرام السماوية.

الكبس إذًا يعني: الاحتفاظ بالكسور الزمنية وتجميعها حتىٰ تكتمل لتشكّل يومًا أو شهرًا كاملًا يُضاف لاحقًا إلىٰ النظام الزمني. وهـٰذه العملية أساسية في جميع التقاويم المعروفة، إذ لولاها لتراكمت الأخطاء بمرور السنوات، وابتعدت ٱلأشهر والفصول عن مواقعها الطبيعية.

كبس ٱلشهر:

ٱلقمر يتم دورته حول ٱلأرض خلـٰل مدة تبلغ حوالي 29 يومًا و12 ساعة و44 دقيقة، أي أن طول ٱلشهر القمري ليس عددًا صحيحًا من ٱلأيام، ولذٰلك فإن ٱلأشهر القمرية تُرتّب بالتناوب بين 29 يومًا و 30 يومًا. فعندما ينتهي ٱلشهر ٱلأول بـ29 يومًا، تُحفظ الساعات الإضافية المتبقية (نصف يوم تقريبًا)، ومع مرور دورتين أو ثلـٰث، تتجمع هـٰذه الكسور لتصبح يومًا كاملًا يُضاف إلىٰ أحد ٱلأشهر ليكون طوله 30 يومًا، بهـٰذا تتعاقب ٱلأشهر بين 29 و30 يومًا، وهو ما يُبقي التقويم القمري متوافقًا مع دورة ٱلقمر دون أن ينحرف.

إذًا، كبس ٱلشهر يعني أننا نقيس ٱلشهر بالأيام، ونضيف يومًا عند الحاجة لتصحيح الكسر الناتج.

كبس السنة:

السنة الشمسية لا تساوي عددًا صحيحًا من ٱلأيام، إذ تبلغ مدتها تقريبًا 365 يومًا و6 ساعات. هـٰذه الساعات الإضافية، إذا لم تُحسب، فإن التقويم سينحرف تدريجيًا عن الدورة الشمسية.

ولذٰلك ابتُكرت فكرة السنة الكبيسة: يُضاف يوم وٰحد إلىٰ السنة كل أربع سنوات تقريبًا، بحيث تصبح السنة 366 يومًا بدلًا من 365 يومًا، بهذه لأسقينـٰهم تتراكم الساعات الإضافية (6 ساعات × 4 سنوات = 24 ساعة = يوم كامل)، فيُضاف هـٰذا ٱليوم لتصحيح التقويم.

هـٰذا النوع من الكبس هو ما يجعل التقاويم الشمسية مثل التقويم الميلادي والتقويم الفارسي متوافقة مع الفصول علىٰ المدى الطويل.

إذًا كبس السنة يعني أننا نقيس السنة بالأيام، ونضيف يومًا دوريًا لتسوية الكسر.

كبس العام:

العام هو العلاقة بين ٱلأشهر القمرية (12 شهرًا) والسنة الشمسية. لـٰكن هنا يظهر إشكال أكبر:

أي أن هناك فارقًا يقارب 11 يومًا كل عام بين التقويم القمري وٱلشمس. ولو ترك هـٰذا الفارق من غير معالجة، لانتقل كل شهر قمري عبر الفصول المختلفة، بحيث نجد رمضان في الصيف تارة وفي ٱلشتاء تارة أخرىٰ، كما هو الحال في التقويم الهجري.

لـٰكن في بعض التقاويم (مثل التقويم العبري أو الصيني)، عولج هـٰذا الفرق من خلـٰل إضافة شهر قمري كامل كل بضع سنوات. هـٰذا ٱلشهر يُسمى "شهر الكبس" أو "ٱلشهر الكبيس". وبذٰلك تتساوى الأعوام القمرية مع السنوات الشمسية علىٰ المدى الطويل، ويظل العام متوافقًا مع الفصول.

إذًا، كبس العام يعني أننا نقيس العام بالشهور، ونضيف شهرًا إضافيًا عند الحاجة لضبط الفارق ٱلكبير بين ٱلقمر وٱلشمس.

أهمية الكبس

إن عملية الكبس ليست مجرد تفصيل تقويمي، بل هي أساس دقة النظام الزمني. كما أنها ٱلوسيلة التي حافظت علىٰ التوازن بين وحدات الزمن المستقلة (ٱليوم – ٱلشهر – السنة) وربطها معًا في منظومة وٰحدة.

ولذٰلك نجد أن جميع الحضارات القديمة اهتمت بالكبس، فالمصريون والبابليون والعبرانيون والعرب مارسوا هـٰذه العملية كل بطريقته الخاصة، مما يثبت أن هـٰذه الفكرة ضرورة كونية لا غنى عنها.

العام:

قد يظن البعض أن الأعوام والسنين شىء وٰحد، لـٰكن الحقيقة أن هناك فرقًا جوهريًا بينهما. فالعام ليس مرادف للسنة، بل هو وحدة زمنية هجينة تنشأ من ٱلجمع بين ٱلشهور القمرية والسنة الشمسية، أي أنه يمثل الصيغة التي توفق بين ٱلقمر وٱلشمس معًا.

أما السنة فهى وحدة طبيعية قائمة بذاتها (شمسية)، وٱلشهر وحدة طبيعية أخرىٰ (قمرية)، بينما العام لا وجود له من دون عملية الكبس التي تربط بين هـٰذه الوحدات المستقلة، فتحذف الكسور الزمنية وتعيد دمجها في صورة متكاملة.

إذًا، العام هو التقويم الشمسي – القمري، حيث تتداخل فيه وحدات ٱليوم وٱلشهر والسنة بعد ضبط الفوارق الزمنية. ومن لا يستخدم هـٰذه الوحدات الثلاث مع إجراء عملية الكبس، فإنه لم يدخل في حساب العام.

العام من حيث اللغة يدل علىٰ معنى "الأعم والأشمل"، أي أنه أوسع من السنة. ومن هنا نفهم أن ٱلقرءان ٱلكريم يفرق بين "السنة" و"العام"، فلا يستعمل أحدهما مكان ٱلـاخر اعتباطًا.

الفرق بين العام والسنة

من يتأمل النصوص ٱلقرءانية يرىٰ أن هناك دلالة واضحة علىٰ التمييز بينهما:

إذًا، العام هو "حلقة الوصل" بين ٱلشمس التي تعبر عنها السنة، وٱلقمر الذي يعبر عنه ٱلشهر. وهو بذٰلك التقويم الذي يحقق التوازن بين الحركتين الفلكيتين كما أراد ٱلله حين خلق ٱلسمـٰوٰت وٱلأرض.

العام في الحضارات القديمة

تدل الدراسات التاريخية علىٰ أن كل الحضارات والشعوب – رغم ٱختلـٰف أديانها وثقافاتها – قد استخدمت شكلاً من أشكال التقويم الشمسي القمري. ذٰلك أن هـٰذا النمط هو الأقرب إلىٰ الطبيعة والفطرة، حيث يجمع بين انتظام ٱلشمس وتغيرات ٱلقمر المرئية للعين.

لـٰكن بمرور الزمن تعرضت هـٰذه التقاويم إلىٰ تحريف وتبديل. فبعض ٱلأمم تخلّت عن ٱلقمر واكتفت بٱلشمس، بينما أبقت علىٰ تقسيم السنة إلىٰ 12 شهرًا. السبب أن الأصل كان تقويمًا شمسيًا قمريًا، لـٰكن التغيير التاريخي أبعد ٱلقمر وحافظ علىٰ العدد.

ومن أبرز الأمثلة علىٰ ذٰلك:

العام والتقويم كعلم

التقويم ليس مجرد أداة لتنظيم ٱلأيام، بل هو جزء من علم ٱلفلك، وهـٰذا ٱلعلم مليء بالأسرار التي لا يحيط بها ٱلبشر جميعًا. فمهما حاول ٱلإنسـٰن أن يكتشف، يبقى علم ٱلله محيطًا بكل شىء.

ومنذ القدم ارتبطت حيوٰة ٱلإنسـٰن بالتقويم ارتباطًا وثيقًا؛ فمن ينظم أيامه وشهوره وسنيه يستطيع أن ينظم حياته كلها. ولهذا فإن ٱلأمم التي أهملت ضبط تقاويمها وقصرت في فهم النظام الزمني، سرعان ما غرقت في التخبط والتأخر.

البعد الفلسفي والعقلي

من الدروس المهمة التي يثيرها موضوع "العام": أن ٱلإنسـٰن لا ينبغى أن يسلم عقله لغيره، سواء لمن يسمون أنفسهم "علمـٰؤا دين" أو "علمـٰؤا دنيا". من ٱلفريقين قد يضل إذا غاب العقل الناقد.

لقد وقع كثير من ٱلناس في فخ ٱتباع الأهواء تحت عناوين براقة مثل "أثبت ٱلعلمـٰؤا" أو "ثبت علميًا"، ثم تبيّن لاحقًا أن تلك النتائج ليست سوى أوهام أو فرضيات مؤقتة.

ومن هنا يجب أن نفرق بين:

فالعام باعتباره وحدة زمنية "هجينة" ليس مجرد حساب عددي، بل هو نظام شمسي – قمري له دلالاته الفلكية والشرعية واللغوية، وهو شاهد علىٰ أن الزمن منظومة متكاملة لا مجال فيها للعبث البشري.

الفصول:

فصل الربيع

يبدأ فصل الربيع عند لحظة الاعتدال الربيعي، وهي اللحظة التي تتعامد فيها أشعة ٱلشمس علىٰ خط الاستواء بينما تتجه حركتها الظاهرية شمالًا نحو مدار السرطان.
تستغرق ٱلشمس حوالي ثلـٰثة وتسعين يومًا لتنتقل من خط الاستواء إلىٰ مدار السرطان، وخلال هـٰذه الفترة يزداد طول ٱلنهار تدريجيًا في نصف ٱلكرة الشمالي، وتبدأ النباتات في النمو وتزدهر ٱلحيوٰة الطبيعية.

فصل الصيف

يبدأ فصل الصيف عند لحظة الانقلاب الصيفي، أي عندما تتعامد ٱلشمس علىٰ مدار السرطان في أقصا نقطة شمالية لها.

من هـٰذه النقطة تعود ٱلشمس تدريجيًا نحو خط الاستواء، وتستغرق الفترة نفسها تقريبًا )ثلـٰثة وتسعين يومًا( حتىٰ تصل إليه من جديد.

يمتاز الصيف بأطول نهار وأقصر ليل في السنة بالنسبة للنصف الشمالي من ٱلأرض، بينما يحدث العكس تمامًا في ٱلنصف الجنوبي.

فصل الخريف

يبدأ فصل الخريف مع الاعتدال الخريفي، عندما تعود ٱلشمس لتتعامد مرة أخرىٰ علىٰ خط الاستواء، ولـٰكن هـٰذه المرة وهي متجهة جنوبًا نحو مدار الجدي.

يستغرق ٱلأمر حوالي تسعين يومًا حتىٰ تصل ٱلشمس إلىٰ مدار الجدي، وخلال هـٰذه الفترة تبدأ درجـٰت الحرارة بالانخفاض تدريجيًا، ويصبح طول ٱلنهار وٱلّيل متقاربين، قبل أن يبدأ ٱلّيل في الزيادة علىٰ حساب ٱلنهار.

فصل ٱلشتاء

يبدأ ٱلشتاء عند لحظة الانقلاب الشتوي، عندما تتعامد ٱلشمس علىٰ مدار الجدي في أقصا نقطة جنوبية لها.

ومن هناك تبدأ ٱلشمس رحلة العودة نحو خط الاستواء، وتستغرق نفس المدة الزمنية تقريبًا (تسعين يومًا) لتصل إليه.

يمتاز ٱلشتاء بأقصر نهار وأطول ليل في السنة بالنسبة للنصف الشمالي من ٱلأرض، بينما يحدث العكس في نصفها الجنوبي.

النتيجة الفلكية

من خلـٰل تتبع حركة ٱلشمس يتضح أن:

إذًا، الفصول الأربعة ليست مجرد تقسيم مناخي اعتباطي، بل هي تقسيم فلكي طبيعي ثابت ناتج عن حركة ٱلشمس بين المدارات. هـٰذه الدورة لا تتغير، لأنها مرتبطة بالثوابت الفلكية لحركة ٱلشمس.

الفصول الفلكية مقابل الفصول المناخية

من المهم التمييز بين الفصول الفلكية والفصول المناخية:

الفصول الفلكية إذًا تعكس النظام الكوني العام، بينما الفصول المناخية مجرد تعبير محلى عن أثر المناخ علىٰ البيئة.

التوازن الكوني

من حكمة ٱلخـٰلق أن هـٰذه الدورة الفلكية للشمس تؤدي إلىٰ انتظام ٱلّيل وٱلنهار بشكل دقيق:

وهـٰذا النظام يضمن التوازن الحيوي علىٰ ٱلأرض، ويجعل الفصول وسيلة طبيعية لتنظيم حيوٰة ٱلإنسـٰن والنبات والحيوان.

ٱلحول:

ٱلحول هو دورة زمنية تبدأ من أحد الفصول وتعود إليه مرة أخرىٰ، لـٰكن مع إهمال تفاصيل ٱلأشهر والأيام.

فلو وُلد شخص مثلًا في منتصف فصل الخريف، فإن بداية الخريف التالي تُعتبر "حولًا". غير أن هـٰذا ٱلحول قد يكون أقل من السنة (إن توقف عند بداية الخريف فقط) أو أكثر منها (إن امتد حتىٰ نهاية الخريف). ومن هنا يمكن ٱلقول إن ٱلحول أوسع وأشمل، إذ قد يكون أطول من السنة أو أقصر منها، بخلـٰف "السنة" التي لها طول ثابت نسبيًا.

ولهذا فرّق ٱلقرءان ٱلكريم بين ٱلحول والسنة والعام، فجعل لكل وٰحد منها دلالة خاصة.

ٱلحول في ٱلقرءان ٱلكريم

لم يرد لفظ "ٱلحول" في ٱلقرءان إلا في موضعين أساسيين، وكلاهما مرتبط بأحكام دقيقة:

  1. ٱلحول في ٱلرضاعة:

قال تعـٰلىٰ:

ﵟوَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚﵞ [البقرة: 233] 

وجاء هـٰذا في سياق تحديد المدة ٱلقصوىٰ للرضاعة الطبيعية، وهي حولان كاملان (أي ما يتجاوز العامين قليلًا).

وقد وردت ءايـٰت أخرىٰ متعلقة بالرضاعة توضح المدد الزمنية:

هـٰذه ٱلـايـٰت الثلاث متكاملة: ٱلأولىٰ تحدد فترة عامة، والثانية توضح الحد ٱلأدنىٰ (21 شهرًا إذا كان الحمل 9 أشهر، أو 23 شهرًا إذا كان الحمل 7 أشهر)، أما ٱلثالثة فتحدد الحد ٱلأعلىٰ (حولين كاملين أي 24 – 27 شهرًا تقريبًا).

وبذٰلك يظهر أن لفظ "ٱلحول" استُخدم لأنه يشير إلىٰ مدة زمنية غير ثابتة بالأشهر بل متراوحة بين قيم مختلفة، ولهذا جاء التعبير بلفظ "حول" لا "سنة".

  1. ٱلحول في عدة المتوفى عنها زوجها:

قال تعـٰلىٰ:

ﵟوَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ ﵞ [البقرة: 240] 

ثم جاءت ٱلـاية التالية لتفصّل أكثر:

ﵟوَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖﵞ [البقرة: 234] 

والمعنى أن "ٱلحول" هنا يساوي أربعة عشر شهرًا، وليس أربعة أشهر وعشرة أيام كما شاع عند المفسرين. والسبب أن كلمة "عشرًا" مرتبطة بما قبلها (ٱلأشهر)، أي أنها عشرة أشهر، فيكون المجموع أربعة + عشرة = أربعة عشر شهرًا.

وتؤكد قواعد اللغة العربية هـٰذا الأسلوب، حيث تُلحق ٱلقيمة العددية غير المعرفَة بالقيمة المعرفَة السابقة. كما في قوله تعـٰلىٰ:

فلماذا لا تُفهم ءاية {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} بنفس المنطق لتصبح "أربعة عشر شهرًا"؟

هـٰذا التفسير يجعل النصوص متسقة ويزيل التناقض الظاهري.

ٱلحول ومدة الحمل

ومن اللافت أن ٱلله تعـٰلىٰ لم يذكر مسألة الحمل في عدة المتوفى عنها زوجها، بخلـٰف المطلقة، لأن مدة ٱلحول (14 شهرًا) تشمل أصلًا المدة ٱلقصوىٰ للحمل (9 أشهر).

أما المتوفى عنها زوجها، فجعلت عدتها بالحول، وهو أوسع وأشمل ويغطي جميع الاحتمالات.

ٱلحول بين السنة والعام

من خلـٰل ما سبق يتضح أن ٱلحول ليس مساويًا للسنة أو للعام:

ولهذا فرّق ٱلقرءان ٱلكريم بينها بدقة، ولم يخلط بين ألفاظها.

سوء الفهم الشائع

كثير من المفسرين والباحثين المعاصرين خلطوا بين السنة والعام والحول، ففسروا ٱلـايـٰت بسطحية. فقالوا: السنة في ٱلقرءان تدل علىٰ الشدة والقحط، والعام يدل علىٰ الرخاء، مستشهدين بقصة يوسف:

ﵟقَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ 47 ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ 48 ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ﵞ [يوسف: 47-49] 

لـٰكن التدبر العميق يكشف أن:

وبهذا يظهر أن الاختلاف بين "السنة" و"العام" و"ٱلحول" ٱختلـٰف اصطلاحي وموضوعي لا مجرد دلالة مزاجية.